‭ ‬روح‭ ‬حرة


‭ ‬روح‭ ‬حرة

 

هنالك‭ ‬أشياء‭ ‬من‭ ‬الصعب‭ ‬الكتابة‭ ‬عنها،‭ ‬عندما‭ ‬تتعرض‭ ‬لتجربة‭ ‬ما‭! ‬وتحاول‭ ‬أن‭ ‬تكتبها،‭ ‬إما‭ ‬أن‭ ‬تقلل‭ ‬من‭ ‬قيمتها،‭ ‬أو‭ ‬تبالغ‭ ‬في‭ ‬وصفها،‭ ‬أو‭ ‬تضخم‭ ‬أو‭ ‬تتجاهل‭ ‬الأمور‭ ‬المهمة‭ ‬المتعلقة‭ ‬بها،‭ ‬وفي‭ ‬معظم‭ ‬الأحيان‭ ‬لا‭ ‬تنجح‭ ‬في‭ ‬سردها‭ ‬بالطريقة‭ ‬التي‭ ‬تريدها،‭ ‬أو‭ ‬كما‭ ‬حدثت‭ ‬تماماً،‭ ‬حسب‭ ‬كلمات‭ ‬أفلاطون‭ ‬‮«‬إن‭ ‬أهم‭ ‬مرحلة‭ ‬في‭ ‬مهمة‭ ‬التعامل‭ ‬مع‭ ‬أي‭ ‬شيء‭ ‬صغير‭ ‬وغض‭ ‬هي‭ ‬البداية،‭ ‬لأن‭ ‬البداية‭ ‬هي‭ ‬التوقيت‭ ‬الذي‭ ‬تتشكل‭ ‬فيه‭ ‬الشخصية‭ ‬ويُترك‭ ‬خلالها‭ ‬الانطباع‭ ‬والتأثير‭ ‬المنشودان‮»‬‭..‬

لكن‭.. ‬أليس‭ ‬من‭ ‬المحزن‭ ‬والمؤسف‭ ‬أن‭ ‬يعيش‭ ‬المرء‭ ‬رهينا‭ ‬وسجينا‭ ‬لبدايات‭ ‬سيئة‭ ‬أو‭ ‬غير‭ ‬مقبولة؟‭ ‬في‭ ‬طفولتي‭ ‬كان‭ ‬الأسلوب‭ ‬السائد‭ ‬للتربية‭ ‬هو‭ ‬الانتقاد،‭ ‬لا‭ ‬تأكلي‭ ‬بهذه‭ ‬الطريقة،‭ ‬لا‭ ‬تتحدثي‭ ‬بهذا‭ ‬الشكل،‭ ‬مشيتك‭ ‬خاطئة،‭ ‬علاماتك‭ ‬متدنية،‭ ‬لا‭ ‬حق‭ ‬لك‭ ‬بالسؤال‭ ‬أو‭ ‬الجدال‭ ‬أو‭ ‬التفكير‭ ‬أو‭ ‬حتى‭ ‬بالبكاء‭ ‬عند‭ ‬التعرض‭ ‬للضرب،‭ ‬ومهما‭ ‬بذلت‭ ‬من‭ ‬جهد‭ ‬يظل‭ ‬أداؤك‭ ‬سيئا،‭ ‬كلمات‭ ‬الاستحسان‭ ‬ليست‭ ‬نادرة‭ ‬فقط‭ ‬وإنما‭ ‬معدومة،‭ ‬وإن‭ ‬وُجدت‭ ‬فهي‭ ‬للغرباء‭ ‬وأطفال‭ ‬الآخرين،‭ ‬وليت‭ ‬الأهل‭ ‬يدركون‭ ‬أنهم‭ ‬بهذا‭ ‬الأسلوب‭ ‬يدمرون‭ ‬أطفالهم‭ ‬تدميرا‭ ‬لا‭ ‬ينجو‭ ‬من‭ ‬آثاره‭ ‬سوى‭ ‬قليلين،‭  ‬لقد‭ ‬كتب‭ ‬الاقتصادي‭ ‬الأميركي‭ ‬الذي‭ ‬لقبوه‭ ‬بالمعجزة‭ ‬‮«‬روبرت‭ ‬روبن‮»‬‭ ‬في‭ ‬مذكراته‭ ‬جملة‭ ‬تغني‭ ‬عن‭ ‬الشرح‭ ‬الطويل‭:-‬‮«‬بعض‭ ‬الناس‭ ‬يبدون‭ ‬واثقين‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬شيء‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬ثقتي‭ ‬أنا‭ ‬في‭ ‬أي‭ ‬شيء‮»‬‭ ‬والثقة‭ ‬أو‭ ‬الافتقار‭ ‬للثقة‭ ‬ونقاط‭ ‬الضعف‭ ‬ونقاط‭ ‬القوة‭ ‬كلها‭ ‬نتاج‭ ‬طبيعي‭ ‬للجو‭ ‬الأسري‭ ‬الذي‭ ‬ينشأ‭ ‬فيه‭ ‬المرء،‭  ‬أثناء‭ ‬دراستي‭ ‬ارتبطت‭ ‬بفتاتين‭ ‬كانتا‭ ‬على‭ ‬النقيض‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬شيء،‭ ‬إحداهما‭ ‬تفتقر‭ ‬للجمال‭ ‬والرقة‭ ‬ومع‭ ‬ذلك‭ ‬كانت‭ ‬واثقة‭ ‬من‭ ‬نفسها‭ ‬إلى‭ ‬درجة‭ ‬الغرور،‭ ‬فهي‭ ‬الأجمل‭ ‬والأذكى‭ ‬والأهم،‭ ‬والثانية‭ ‬جميلة‭ ‬المحيا‭ ‬وهادئة‭ ‬ولماحة‭ ‬وعلى‭ ‬قدر‭ ‬كبير‭ ‬من‭ ‬اللطف‭ ‬والدماثة،‭  ‬لكنها‭ ‬خجولة،‭ ‬تتلعثم‭ ‬عند‭ ‬توجيه‭ ‬أي‭ ‬سؤال‭ ‬لها‭ ‬على‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬معرفتها‭ ‬بالجواب،‭ ‬تجد‭ ‬نفسها‭ ‬عادية‭ ‬ولا‭ ‬تلفت‭ ‬الانتباه،‭ ‬الأولى‭ ‬نشأت‭ ‬بين‭ ‬أم‭ ‬محبة‭ ‬لا‭ ‬توفر‭ ‬مناسبة‭ ‬للإطراء‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬تقولها‭ ‬لها،‭  ‬حتى‭ ‬الحماقات‭ ‬التي‭ ‬تصدر‭ ‬عنها‭ ‬تجد‭ ‬فيها‭ ‬ما‭ ‬يسلي،‭ ‬والثانية‭ ‬تربت‭ ‬على‭ ‬يد‭ ‬شقيقتها‭ ‬العانس‭ ‬والتي‭ ‬كانت‭ ‬تنتقدها‭ ‬على‭ ‬أبسط‭ ‬الاشياء‭ ‬وتقلل‭ ‬من‭ ‬قيمتها‭ ‬في‭ ‬السر‭ ‬والعلن،‭ ‬الغريب‭ ‬أن‭ ‬الجميع‭ ‬كان‭ ‬يرى‭ ‬هاتين‭ ‬الفتاتين‭ ‬كما‭ ‬تريان‭ ‬نفسيهما،‭ ‬كانت‭ ‬الفتاة‭ ‬العادية‭ ‬المظهر‭ ‬والمخبر‭ ‬أحق‭ ‬بالتقدير‭ ‬والإعجاب‭ ‬من‭ ‬الأخرى‭ ‬الجميلة‭ ‬خلقا‭ ‬وخلقة،‭ ‬الأولى‭ ‬تزوجت‭ ‬رجلا‭ ‬يقدرها‭ ‬من‭ ‬تقديرها‭ ‬لنفسها‭ ‬حتى‭ ‬لو‭ ‬كان‭ ‬تقديرا‭ ‬مبالغا‭ ‬فيه،‭ ‬والثانية‭ ‬تزوجت‭ ‬رجلا‭ ‬يذلها‭ ‬ويقلل‭ ‬من‭ ‬شأنها‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬صغيرة‭ ‬وكبيرة،‭ ‬وكنت‭ ‬أنا‭ ‬أتأرجح‭ ‬بين‭ ‬الثقة‭ ‬التي‭ ‬أحاول‭ ‬أن‭ ‬أغرسها‭ ‬في‭ ‬نفسي‭ ‬بنفسي،‭ ‬وبين‭ ‬الانتقادات‭ ‬المستمرة‭ ‬التي‭ ‬تعيدني‭ ‬لنقطة‭ ‬البداية،‭ ‬ومن‭ ‬المفارقات‭ ‬الساخرة‭ ‬أن‭ ‬يتم‭ ‬توصيفي‭ ‬فيما‭ ‬بعد‭ ‬بهذا‭ ‬الوصف‭ ‬المزدوج‭- ‬المتمردة‭ ‬والهادئة‭ ‬في‭ ‬نفس‭ ‬الوقت،‭  ‬متمردة‭ ‬لأنني‭ ‬اخترت‭ ‬مجالا‭ ‬غير‭ ‬مألوف‭ ‬في‭ ‬ذاك‭ ‬الوقت‭ ‬للعمل‭ ‬فيه،‭ ‬وهادئة‭ ‬لأن‭ ‬خجلي‭ ‬كان‭ ‬يمنعني‭ ‬من‭ ‬الدفاع‭ ‬عن‭ ‬نفسي‭ ‬ويظهرني‭ ‬بمظهر‭ ‬العاجزة‭ ‬والمستسلمة‭ ‬والتي‭ ‬يمكن‭ ‬استغلالها‭ ‬ماديا‭ ‬ومعنويا،‭ ‬والوصفان‭ ‬لم‭ ‬يُقصد‭ ‬بهما‭ ‬المدح‭ ‬بأية‭ ‬حال‭ ‬من‭ ‬الأحوال،‭ ‬وتدريجيا‭ ‬تعلمت‭ ‬طرقا‭ ‬جديدة‭ ‬لمواجهة‭ ‬ذكريات‭ ‬البدايات‭ ‬باستخفاف،‭ ‬اخترت‭ ‬الشفاء‭ ‬والمضي‭ ‬قُدماً،‭ ‬لم‭ ‬أتعلم‭ ‬كيف‭ ‬أتغلب‭ ‬على‭ ‬الخجل‭ ‬بشكل‭ ‬دائم‭ ‬ولكنني‭ ‬تعلمت‭ ‬فحسب‭ ‬أن‭ ‬أمنع‭ ‬نفسي‭ ‬من‭ ‬الاستسلام‭ ‬له،‭ ‬وآمنت‭ ‬بهذه‭ ‬المقولة‭ ‬الرائعة‭ ‬‮«‬تكمن‭ ‬القوة‭ ‬الناعمة‭ ‬في‭ ‬العزيمة‭ ‬الهادئة‭ ‬الصامتة‮»‬‭.‬

إن‭ ‬الشخص‭ ‬الخجول‭ ‬كما‭ ‬قال‭ ‬مؤسس‭ ‬نظرية‭ ‬التطور‭  ‬‮«‬تشارلز‭ ‬داروين‮»‬‭ ‬يجزع‭ ‬بلا‭ ‬شك‭ ‬من‭ ‬ملاقاة‭ ‬الغرباء،‭ ‬ولكن‭ ‬لا‭ ‬يسعنا‭ ‬القول‭ ‬إنه‭ ‬يخشاهم،‭ ‬فقد‭ ‬يتمتع‭ ‬بنفس‭ ‬القدر‭ ‬من‭ ‬الجرأة‭ ‬التي‭ ‬يتسم‭ ‬بها‭ ‬أبطال‭ ‬المعارك،‭ ‬ورغم‭ ‬ذلك‭ ‬فقد‭ ‬لا‭ ‬يشعر‭ ‬بأي‭ ‬ثقة‭ ‬في‭ ‬نفسه‭ ‬حيال‭ ‬أمور‭ ‬ضئيلة‭ ‬وتافهة‭ ‬أثناء‭ ‬تواجده‭ ‬مع‭ ‬أشخاص‭ ‬غرباء‮»‬،‭ ‬وتبنيت‭ ‬لاحقا‭ ‬كلمات‭ ‬العظيم‭ ‬غاندي‭ ‬‮«‬لقد‭ ‬عودت‭ ‬نفسي‭ ‬على‭ ‬التحكم‭ ‬في‭ ‬أفكاري،‭ ‬وعلمتني‭ ‬الخبرة‭ ‬أن‭ ‬الصمت‭ ‬جزء‭ ‬من‭ ‬الانضباط‭ ‬الروحي‭ ‬للمدافعين‭ ‬عن‭ ‬الحقيقة،‭ ‬وهنالك‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬الناس‭ ‬شديدو‭ ‬التوق‭ ‬للكلام‭ ‬،‭ ‬وتضيق‭ ‬صدورهم‭ ‬عند‭ ‬الصمت،‭ ‬ويعد‭ ‬ذلك‭ ‬إهدارا‭ ‬فادحا‭ ‬للوقت،‭ ‬وكثيرا‭ ‬ما‭ ‬كان‭ ‬خجلي‭ ‬بمثابة‭ ‬درعي‭ ‬الواقي‭ ‬ومصدر‭ ‬حمايتي،‭ ‬لقد‭ ‬أعانني‭ ‬على‭ ‬النضج‭ ‬وساعدني‭ ‬في‭ ‬استبصار‭ ‬الحقيقة‮»‬،‭ ‬وأخيرا‭ ‬يكمن‭ ‬سر‭ ‬الحياة‭ ‬في‭  ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬الحب‭ ‬والقليل‭ ‬من‭ ‬التوجيه‭ ‬والنقد،‭ ‬وهذا‭ ‬هو‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬يحتاجه‭ ‬المرء‭ ‬في‭ ‬كل‭  ‬مرحلة‭ ‬من‭ ‬مراحل‭ ‬العمر‭. ‬